التخطي إلى المحتوى

الدولة الطولونية 254-292هـ/ 868-905م

كان طولون – أبو أحمد بن طولون من الاتراك الذين يعيشون فى بلاد تركستات من اسرة تقيم فى مدينة بخارى ولما نشبت الحروب بين أهالى مدينة بخارى وبين العباسيين أصحاب تلك البلاد جئ بطولون هذا أسيرا الى نوح بن أسد السامانى والى بخارى وخراسان من قبل الخليفة المأمون العباسى

ولما كان من تقاليد الحكم انذاك قد جرت على ينفذ الولاه إلى الخليفة ضريبة من المال والرقيق فقد أرسل والى بخارى بطولون المذكور فى سنة 200هـ الى المأمون مع الرقيق الذين بعث بهم هدية الى الخليفة فحاز طولون على اعجاب المامون نظرا لما كان يتمتع به من قوة فى البنية وتناسق فى الأعضاء هذا الى ما توسم فيه من الذكاء وعلى هذا ألحقة المامون بحاشيته وظل طولون يترقى فى مناصبه حتى أصبح رئيسا لحرس الخليفة وتلقب بلقب ( أمير الستر)

وكان من وظيفة صاحب هذا اللقب أن يقوم بالمحافظة على حياة الخليفة نفسه وهذا ان دل على شئ فانما يدل على أن المأمون كان يثق ثقة لا حد لها فى أمانة طولون واخلاصه وولائه وقد استمر طولون يتقلد هذا المنصب طوال عشرين سنة فى عهد كل من المأمون والمعتصم وأنجب فى خلال هذه الفترة عدد من الاولاد من بينهم أحمد بن طولون ويكنى بأبى العباس الذى يرجع له الفضل فى تأسيس أول دولة مستقلة فى مصر بعد الفتح الاسلامى

أحمد بن طولون 

ولد أحمد بن طولون فى 23 رمضان سنة 220م سبتمر 835م فى مدينة بغداد ولقى من ابيه كل الرعاية وكان من وقت أن كان صغيرا قوى الخلق ويتصف بالرزانة والذكاء وقد حفظ أحمد بن طولون القرآن ودرس الحديث وتفقه فى الدين ولما شب حضر مجلس العلماء والمحدثين فارتفع شأنه وعظمت منزلته حتى أصبح موضع ثقة الخلفاء العباسيين الذين عمل تحت رعايتهم مثل المتوكل والمستعين والمعتز والمعتمد

وتوفى طولون سنة 240هـ فى عهد المتوكل العباسى وابنه أحمد فى العشرين من عمره فعهد اليه المتوكل بما كان يتولاه أبوه طولون من أعمال فأظهر كفاءة ممتازة وهمة نادرة حتى احتل مكانا عظيما فى قلوب رجال البلاط العباسى وقادة الجيش من الاتراك وكان من عادة الخلفاء العباسيين أن يعينوا هؤلاء الاتراك على الاقاليم نيابة عنهم فلما تولى المعتز العباسى الخلافة فى سنة 252هـ/ 868م أقطع مصر للقائد التركى باكباك فى سنة 254هـ فاختار هذا احمد بن طولون لينوب عنه فيها لاطئمنان نفسه اليه فاستخلفة عليها وامده بجيش سار به الى مصر فدخلها يوم الاربعاء 23رمضان سنة 254هــ  ( 15سبتمبر سنة 868م) وقد ولاه باكباك على عاصمة مصر (الفسطاط ) دون غيرها

ولما قتل باكباك وتولى بعده يارجوخ – وكان أحمد بن طولون قد تزوج ابنته – ولايه مصر ارسل الى صهره ابن طولون عهدا بالنيابة عنه فى ادارة شئون البلاد فتسلم ابن طولون برقة التى كانت تابعة لمصر ثم ساء الى الاسكندرية واستلامها وكانت فى ذلك الوقت ولايه قائمة بذاتها لما كان لها من الاهمية التجارية والتاريخية ثم عاد بن طولون الى الفسطاط

وأصبحت ادارة مصر كلها فى يده على كل حال واجه ابن طولون عدة عقبات بعد أن آل اليه أمر مصر الا انه تمكن من اجتياز تلك الصعوبات وتخطيها الواحدة تلو الأخرى وذلك لما عرف عنه من الحزم والكياسة وحسن التصرف ولعل أهم الصعوبات التى هددت ملك بن طولون هو منافسة أحمد بن المدبر وكان بن المدبر عظيم الدهاء أو كما قال المقريزى فى كتابة الخطط من دهاة الناس وشياطين الكتاب وكان من أصحاب المنزلة الرفيعة لدى الخليفة العباسى المتوكل حتى جعلة من أفراد حاشيته وقد بلغ ابن المدبر فى كفايته وقدرته درجة جعلت الخليفة يسند اليه الكثير من الوظائف فى وقت واحد وقربه اليه الوزير ابن خاقان .

 بيد أنه ما لبث ان حقد عليه حين رأى عظيم ثقة الخليفة به فاوغر صدر الخليفة عليه حتى أمر الخليفة بحبسة ولكن ابن المدبر تمكن من الفرار من سجنه ثم عفى عنه المتوكل وأظهر رضاه عنه فولاه خراج مصر حتى قيل أنه كان اذا اشتكى احد من عدم قدرته على الدفع أخرجه وسيق به فحملت عليه الحجارة وطولب أعنف مطالبة مما اضطر يوما أحد كبار رجال التجارة أن يبيع حصر داره
ولما قدم ابن طولون مصر ظل ابن المدبر يتولى امر المال والخراج كما كان عليه الوضع من قبل وصول ابن طولون فكان من الطبيعيى ان تقع المنافسة بينهما وأن يكيد ابن المدبر للوالى الجديد خاصة بعد أن تاكد لديه أن ابن طولون لن يسمح له بالتمادى فى أسلوبه فى جمع الاموال من أفراد الشعب وهو الاسلوب القائم على كثير من العسف والظلم

ولم يجد ابن المدبر بدا من أن يستميل ابن طولون الى جانبه فاستقبله حين وصل الى مصر استقبالا حسنا وارسل اليه الهدايا النفيسة من المال والجواهر والخيل والرقيق الا ان ابن طولون رد اليه ذلك وأراد ابن طولون أن يقلل من هيبة ابن المدبر فى نظر الناس فبعث اليه يطلب منه عوضا عن هذه الهدايا ما عنده من الغلمان الذين كانوا يسيرون فى ركاب ابن المدبر اينما سار وكانوا مائة غلام وبالتالى تزول هيبته وبالفعل ارسل اليه ابن المدبر 100 غلام وتحول ذلك كله الى ابن طولون

لم ير ابن المدبر ازاء كل هذا بدا من أن يكيد لابن طولون لدى الخليفة المهتدى فكتب الى دار الخلافة انتهى الامر انه تم توليه ابن المدبر على خراج دمشق والاردن وفلسطين فخرج من مصر يتقلد منصبة الجديد فى سنة 258هـ وظل ابن المدبر يكيد لابن طولون عند الخليفة العباسى واستطاع ابن طولون القبض على ابن المدبر عند اسيلاء احمد بن طولون على الشام فى سنة 264م وكان ابن المدبر مقيما بمدينة الرملة واتى به الى مصر حيث حبسه ثم امر بان يقيد وأن يلبس جبه من الصوف كان ذلك جزء صغير من الاخطار والعقوبات التى واجهت احمد ابن طولون

أعمال أحمد بن طولون 

  • انشاء القطائع 

لما تولى أحمد بن طولون امر مصر والفسطاط راى ان العسكر ضاقت بعسكره وخدمه ثم انه سار على سنه عمرو بن العاص وصالح بن على فى بناء المدن فاتخذ لنفسة مدينة جديدة سنة 256هـ تقع فى شمال شرقى الفسطاط بين جبل يشكر وسفح المقطم وسماها القطائع وذلك لانه قسم منطقتها الى قطائع مختلفة جعلها للطوائف المختلفة ووزعها بين ارباب الحرف واصحاب الصنائع والمهن والتجارة وكانت كل قطيعة تسمى باسم الطائفة التى تقيم فيها

  • جامع أحمد بن طولون 

بنى احمد بن طولون مسجده الجامع سنة 261هـ، وجامع احمد بن طولون من اكبر المساجد الاسلامية ويتالف من بيت للصلاة وصحن ومجنبات وتخطيط الجامع مربع الشكل يميل الى الاستطالة وجامع احمد بن طولون يمثل عمارة المساجد العراقية وبهذا يبدا الفن المعمارى فى مصر عهدا جديدا اذ انه تخلص من التاثيرات البيزنطية التى كانت موجودة من قبل
ولقد جعل احمد بن طولون فى هذا الجامع خزانة بها بعض الادوية والاشربة التى قد يحتاج اليها المصلون كما عين لهذا الجامع طبيبا خاصا لاسعاف المصلين

  • المارستان أو البيمارستان 

بناه أحمد ابن طولون لمعالجة المرضى على اختلاف حالاتهم والحق به صيدلية لصرف الادوية فاذا دخل المريض هذا البيمارستان تنزع ثيابه وتقدم له ثياب اخرى ويودع ما معه من مال عند امين المارستان ثم يوضع فى مكان تتوفر فيه وسائل الراحة وظل المريض تحت العلاج مجانا حتى يتم شفاؤه فاذا قدمت له دجاجة ورغيف فهذا معناه أنه شفى ويؤذن له بمغادرة المستشفى وكان احمد ابن طولون يتفقد البيمارستان اسبوعيا ليراقب اعمال الاطباء

  • منشآت ابن طولون الاخر

بنى أحمد بن طولون مسجدا آخر على جبل يشكر يعرف باسم مسجد التور وبنى لهذا المسجد مئذنة كانت تستعمل فيها النيران ليلا لهداية الناس ليلا . كذلك اصلح ابن طولون مقياس الروضة الذى اقامة اسامه بن زيد التنوخى لقياس ارتفاع النيل وقام ابن طولون بانشاء قناطر لاحضار المياه من مسافات بعيدة من البساتين الى القرافة الكبرى

نهاية الدولة الطولونية 

خلف خمارويه الابن الثانى لأحمد بن طولون أباه فى ولايه مصر والشام وامتد حكمه اثنى عشرة سنة لم يكن خمارويه رجل حرب بل كان شابا مترفا يميل الى حياة السلم والرخاء ولهذا كادت الشام تضيع من ملكه فى اوائل عهده . لكن استطاع خمارويه فى النهاية تقويه مركزه فى الشام

 وقام خمارويه بتوطيد علاقته مع الخليفة العباسى بان عرض زواج ابنته قطر الندى من الامير المكتفى بن الخليفة العباسى ولكن الخليفة العباسى اختارها لنفسه فوافق خمارويه وهنا قام خمارويه فى بذل الاموال الطائلة فى تجهيز ابنته .
توفى خمارويه قتيلا على يد بعض جواريه وهو فى طريقة الى الشام سنة 282هـ/895م فاخذت الدولة الطولونية فى الضعف والانحلال وتولى زمامها طائفة من افراد اليت الطولونى اتصفوا بالضعف الى ان سقطت الدولة الطولونية

على ايه حال حكمت الدولة الطولونية مصر زهاء ثمانية وثلاثين عاما انتعشت فيها البلاد واستردت قوتها وعظمتها فراجت تجارتها ونشطت زراعتها وصناعتها وقوى الجيش وأنشى اسطولا بحريا واصبحت مصر امبراطورية تمتد من العراق الى بلاد برقة بما فى ذلك بعض الاراضى من اسيا الصغرى وكذلك الشام وكان عهدها عهد سلام ورخاء ونهوض بالعمارة والزخرفة والنقش وتشجيع العلم والعماء

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *